قابس تختنق !

Capture d'écran 2026-06-23 140636
قابس تختنق !
معتمدية قابس المدينة
February 26, 2026
تتابع جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات باهتمام بالغ تطورات الأزمة البيئية المتفاقمة في ولاية قابس جرّاء استمرار أنشطة الوحدات الصناعية الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي. وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الابتدائية بقابس، بتاريخ 26 فيفري 2026، حكمها في الدعوى الاستعجالية التي رفعها الفرع الجهوي لنقابة المحامين بقابس ضدّ المجمع الكيميائي التونسي أواخر شهر أكتوبر الماضي، وقضت برفض طلب وقف النشاط الصناعي، مستندةً إلى حجة “عدم ثبوت الضرر”.
إن هذا التعليل يتجاهل معطيات ثابتة وموثقة تؤكد حجم التلوث والانبعاثات الخطيرة الصادرة عن وحدات المجمع. كما يتغافل عن تقرير التدقيق المنجز في جويلية 2025 والمنشور على الموقع الرسمي للمؤسسة. الذي أقر بوجود اخلالات جسيمة وعدم مطابقة عدد من الوحدات للمعايير البيئية التونسية. فضلا عن حالات الاختناق المتكررة في صفوف التلاميذ منذ سبتمبر 2025 واستمرار انبعاث الغازات السامة والدخان وما رافق ذلك من تفشي أمراض خطيرة وتضرر الغطاء النباتي والحيواني وخليج قابس ومصادر رزق البحارة.
وتعتبر جمعية تقاطع أن هذا الحكم يمثّل تراجعًا خطيرًا في منظومة حماية البيئة والصحة العامة، وتجاهلًا فاضحًا للوقائع الموثّقة، لا سيما تفشّي ظاهرة التلوّث البيئي في ولاية قابس، وتواصل انبعاث الغازات السامّة والأدخنة الكثيفة من وحدات المجمع الكيميائي، وتسجيل حالات اختناق يومية في صفوف السكان والتلاميذ منذ أواخر السنة المنقضية، فضلًا عن اعتراف السلطة التنفيذية ذاتها بحجم الكارثة البيئية التي تعيشها الجهة.
كما ترى الجمعية أن هذا القرار لا يمثّل مجرّد إخفاق قضائي معزول، بل يكرّس صراحةً منطق الإفلات من المساءلة، ويؤثر المصالح الصناعية والتجارية على حساب حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية في العيش في بيئة سليمة. وهو بذلك يُعدّ انتهاكًا للحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في بيئة آمنة، كما كفلتها المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس، وفي مقدّمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتؤكد الجمعية أن هذا الحكم يشكّل امتدادًا لاستمرار الأزمة البيئية، خاصةً عند قراءته في ضوء الدستور التونسي لسنة 2022 الذي يقرّ صراحةً بعدم التعارض بين التنمية الاقتصادية والبيئة السليمة، إذ تنصّ توطئته على أن “تكون التنمية الاقتصادية والاجتماعية مستمرة دون تعثّر أو انتكاس في بيئة سليمة تزيد تونس الخضراء اخضرارًا من أقصاها إلى أقصاها، فلا تنمية مستمرة دائمة إلا في بيئة سليمة خالية من كل أسباب التلوث”.
فضلًا عن ذلك، يُلزم الفصل السابع والأربعون من الدستور الدولة صراحةً بضمان الحق في بيئة سليمة ومتوازنة، والمساهمة في سلامة المناخ، وتوفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي. وما صدر من حكم اليوم لا يمثّل إلا نقيضًا لهذا الالتزام الدستوري.